قراءة في مقولة الشاعر عبدالوهاب البياتي كلنا رهائن يترصدنا الموت...بقلم قاسم خلف
قراءة في مقولة الشاعر عبدالوهاب البياتي
كلنا رهائن يترصدنا الموت...
هكذا صرحت حنجرة الشاعر الكبير عبدالوهاب البياتي...وهو يعي وينتظر هذا الكائن (الموت) وهو ينتقل على مسرح الوجود من رهينة لرهينة ليقتطفها من بستان الحياة وكان الشاعر يراقب كل ذالك عن كثب ويدون مشاهداته شعرا ويرثي الضحايا في صومعة لغته الفريدة التي اكتسبت افاقا اوسع وهو يخترق اعاصير المنافي ويروضها بين طيات حروفه فيحولها الى مدن عشق ويلبسها ماشاء من ثياب القصيدة..
الموت والمنفى وهو الرهينة المرصودة التي مافارقت نظر ملك الموت ولاهو غفل عنه عناصر وظفها الشاعر لخلق اجواء شعره ولم ينسى وطنه وظل يراسله من صناديق بريد سمرقند ونيسابور....
البياتي الشاعر الرحال والمسافر الابدي في اعماق الحياة واللغة يطوف عبر مركبته الابداعية مرة لعنان السماء ومرة لباطن الارض فيزوج العالمين ويقيم حفلا بهيا على شرف قصيدته فتشهد له عباقرة الشعر وتمني نفسها لو تلتقط ولو زهرة من بستان خياله الخصب وهو من على منبر شعره يقول
أنا عامل , ادعى سعيد
من الجنوب
أبواي ماتا في طريقهما الى قبر الحسين
و كان عمري آنذاك
سنتين - ما اقسى الحياة
و أبشع الليل الطويل
و الموت في الريف العراقي الحزين -
و كان جدي لا يزال
كالكوكب الخاوي , على قيد الحياة
هكذا يستحضر الموت والقبر والحزن وقساوة الحياة بلقطة هي اقرب للفكاهة من خلال قوله ادعى سعيد وكانه يجسد صورة لسخريته من الاسم الذي لايدل على مسماه ..فاليتم والحزن والليل الطويل كائنات تغلغت في شعوره فاالبسته ردءا فضفاضا من الاسى والشرود اكبر بكثير من استيعابه لمفردات الحياة وهو لم يزل برعما انسانيا وهو في ذات الوقت لايختص نفسه بهذه المفردات بقدر ما هو يعكس واقع انساني معاش وكل مايقوم به هنا هو دور المصور الذي يلتقط صوره فينثرها في فضاء اللغة لتبقى شاهدة على العصر الى يوم يبعثون ..نعم هو اعتاد ان يسرق النار لانه ضليع بابقاء قلبه دافئا ولكنه لاينسى ابدا انه لايقدر ان ينفك من كونه رهينة للموت وهكذا يعود للحن الموت فيقول
[رجلٌ يُمسكُ قلبَهُ
ويتكئ على عمودِ النُّور
في شارعٍ مظلمٍ
مرَّتْ به امرأةٌ وسألته :
أين رأيتك قبلَ عشرين عاماً؟
لم يجبْ
وعندما اختفتْ
قالَ لنفسِهِ: يظهرُ أنني متُّ
منْذُ زَمَنٍ بعيد.]
هكذا هو البياتي عاش ومعه الموت يحمله معه في حله وترحاله وكأن الموت كان الهامه المفرط الذي دله على دروب الحياة وارشده الى ينابيع شعره ..ولان الناس ينتبهون بعد الموت وينكشف لهم غطاء الحقيقة لكن بعد غلق باب الحياة إلا ان الشاعر حاول مرارا ان يقترب كثيرا من هذا المعنى وكأنه عاد توا الى الحياة من رحلة موت مثيرة وفي الغالب الذين يخافون مفردة الموت لايقتربون من لفظه ويفرون من إحياءاته المخيفة والبياتي زرع الموت في تربته الشعرية ولايخلو شبرا من مساحته الزمنية إلا وعلق فيه بوصلة تشير الى اتجاه الموت لكن الموت في غرناطة كان له موتا مختلفا ..واجهد نفسه في ان يشرح جثة الموت بمنظار شعري عميق ليسلك طرقات الفناء وينقل لنا مشاهداته. ويضعها في حقيبة عائشة باسلوب شعري آخاذ
عائشةٌ تشقٌّ بطنَ الحوت
ترفع في الموج يديها
تفتح التابوت
تُزيح عن جبينها النقاب
تجتاز ألف باب
تنهض بعد الموت
عائدةً للبيت
ها أنذا أسمعها تقول لي لبَّيكْ
جاريةً أعود من مملكتي إليك
وعندما قبَّلتها بكيتْ
شعرت بالهزيمة
أمام هذي الزهرة اليتيمة
الحبُ, يا مليكتي, مغامرة
يخسر فيها رأسَهُ المهزوم
بكيتُ, فالنجومْ
غابتْ, وعدتُ خاسرًا مهزوم
أُسائلُ الأطلالَ والرسوم
عائشةٌ عادت, ولكني وُضعتُ, وأنا أموت
في ذلك التابوت
تَبادَلَ النهران
مجريهما, واحترقا تحت سماء الصيف في القيعان
وتركا جرحًا على شجيرة الرمان
وطائرًا ظمآن
ينوح في البستان
آه جناحي كسرته الريح
وصاح في غرناطة
معلم الصبيان
لوركا يموتُ, ماتْ
أعدمه الفاشست في الليل على الفرات
ومزقوا جثته, وسملوا العينين
لوركا بلا يدين
يبثّ نجواه الى العنقاء
والنورِ والتراب والهواء
وقطراتِ الماء
أيتها العذراء
ها أنذا انتهيتْ
مقدَّسٌ, باسمك, هذا الموت
وصمت هذا البيت
ها أنذا صلَّيت
لعودة الغائب من منفاه
لنور هذا العالم الأبيض, للموت الذي أراه
يفتح قبر عائشة
يُزيح عن جبينها النقاب
يجتاز ألف باب
آه جناحي كسرته الريح
من قاع نهر الموت, يا مليكتي, أصيح
جَفّتْ جذوري, قَطَعَ الحطّاب
رأسي وما استجاب
لهذه الصلاة
أرضٌ تدور في الفراغ ودمٌ يُراقْ
وَيحْي على العراق
تحت سماء صيفه الحمراء
من قبل ألفِ سنةٍ يرتفع البكاء
حزنًا على شهيد كربلاء
ولم يزل على الفرات دمه المُراق
يصبغ وجهَ الماء والنخيل في المساء
آه جناحي كسرته الريح
من قاع نهر الموت, يا مليكتي, أصيح
من ظلمة الضريح
أمدُّ للنهر يدي, فَتُمسك السراب
يدي على التراب
يا عالمًا يحكمه الذئاب
ليس لنا فيه سوى حقّ عبور هذه الجسور
نأتي ونمضي حاملين الفقر للقبور
يا صرخات النور
ها أنذا محاصرٌ مهجور
ها أنذا أموت
في ظلمة التابوت
يأكل لحمي ثعلب المقابر
تطعنني الخناجر
من بلد لبلد مهاجر
على جناح طائر
- أيتها العذراء
والنور والتراب والهواء
وقطرات الماء
ها أنذا انتهيت
مقدّسٌ, باسمك, هذا الموت
رحم الله الشاعر الكبير عبدالوهاب البياتي
قاسم خلف
تنبيه : المرجوا عدم نسخ الموضوع بدون ذكر مصدره المرفق بالرابط المباشر للموضوع الأصلي وإسم المجلة وشكرا

0 التعليقات: