قراءة بقلم الناقدة التونسية عزّة الخزرجي.. في نص علي جمال (مِنْ هُنا)


قراءة في" من هنا"
الشاعر علي جمال
يا من يعزَ علينا أن نفارقهم وجداننا كل شيء بعدكم عدم
"المتنبي "
ليس لحرف الجرَ من دلالة في ذاته ويكتسب دلالة معينة لاقترانه باسم اقترانا نسقيا أو محوريا وحرف الجرَ من تمحض للدلالة على الابتداء في مجاورته لظرف المكان هنا ولكن نقطة الابتداء هذه فارقت ايحاءات الانطلاق من حيز ما وفي تصاعد لادراك منتهى القصد وسدردة المنتهى لتستحيل وقوفا عند عند رسم دارس وطلل موحش يظل عاكفا عليه متأمَلا من استبد به شعور بأنَه أضحى سقطا متاع لقافلة عبرت ذاك المكان وغادرته مخلفة وراءها مطيل التمعَن في كنه وجودي هبائي وكثيرا ما يهزَه الحنين الى ثنيَة الوداع وداع من مروا حاملين أكياس المعذرة اذ أنَ رحيلهم كان حتما مقضيا لا يملكون فكاكا منه وساروا بدرب الذهاب لا يعقبه اياب كرها لا طوعا اضطرارا لا اختيارا لذا لا معنى لمعاتبة مرتحل ارتحالا مصيريا حتميا شموليا يقف عنده كل امرىء عاجزا مستسلما اذ أنه سفر وجودي موحش يذعن له ولمنطقه البدَي فلا يحيف ولا يحابي ويتربص بكل ذي حس وحياة ليوقعه بحبائله وبلا استثناء.
وسطوته هذه وغلبته لن تورث الَا شعورا بالخواء والوهن وحسرة مرارة يتجرَعها المودَع آنيا وزمانيا كلَما عنَ له التوجَه الى منعطف "من هنا" فأضحى فؤاده فارغا فراغ فقدان وفقد ويذكي هذا المنعطف الرهيب الشعور بالشجى يظل يتردد صداه بالأعماق ذات التصدَعات والأخاديد وأواني الدرب الفارغة ليست سوى علامة من علامات الخواء المفزع واستشعار هول العدم وتأخذ تبعات التأمَل في هشاشة وجود هبائي في الانثيال تباعا ومن هذه الانثيالات أن تقتصد المسافة بين الابتداء والانتهاء وكأنَنا بحضرة أصداء نواح متأمل في عنف الكينونة كيف تصير العتاهي( أبو العتاهية وزهدياته ) وهو يطرح سؤالا انكاريا مشربا حسرة وعي شقي
لمن نبني ونحن الى تراب نصير كما خلقنا من تراب ؟
وبلعبة تبادل حروف الجرَ( من / الى) مواقعها وبفعل في اللغة بقضى على خطَ تصاعدي لاثبات خطَ تنازلي نحو هوَة الغياب فتتراءى صورة لا للالذاذ بل لهزَ وجدان مهج عايثة لاهية عن حقيقة منزلتها المنذرة بالغياب انها صورة
قافلة ترابها لا يعود
وانه لتراب تحلَل المادي واندثاره وعودته الى أصل تكوينه ومعدني الجبلَي
ومن عاش الموت محنة فردية وباشر الغياب منفردا لا يكفَ عن الأنين والانتحاب وهو يستشعر هول الخسارات وما تكراره للا
لا التراب يعود
لا مغيب يفقأ رأي القوم بخسارتي،
الا قرعا لجرس معلن بلا توان ولا توقَف عن فاجعة الانفصال وهولها عمَن كانت رابطة وصله حبلا سريَا متينا ورغم ذلك طاله القطع او البتر ويصحب هذا الاعلان الرهيب اعلان الانبتاب القسري انجاس نبرة التفجَع تفجَغ ذات لا تملك الا أن تنعى ذاتها مصوَتة تصويت نعي
تركوا وجهي
انَه الفقد وما ينسله من لوعة لا يمكن أن تحيط بها عبارة مألوفة عادية مطابقة للواقع كلَ المطابقة فلا بد من توسَل التخييل وازياحاته حتى تتسنَى محاصرة
هذا الغياب بموقد عار من مفصل اللغة حتى أخر الليل .
وحرقة الانفصال عن التوأم والصنو تتجلَى في موقد احتراق بلا حدود ولا حدَ
وصفوة القول فقصيدة ''من هنا" للشاعر على جمال كانت كتابة بالذات بجراحاتها وهي تصطلي بنار تجربة الفقد ويتسق المبنى والمعنى لتكون الصور والمعاجم والايقاع عناصر متظافرة لابتناء نشيد حرقة استشعار الغياب ليكون نصَ "من هنا" جرحا لا بلسما عسى أن يطهَرنا هذا الوجع من أوهام ويسقط كثيرا من أقنعة الزيف ومن أوراق توت محاولة حجب حقائق لا تحجب مهما كثرت المحاولات
مِنْ هُنا
مروا حاملين اكياس المعذرة
تاركينَ أواني الدرب فارغة بداخلي،
في ذهن القافلة لا تُراب يعود
لا مغيب يفقأ رأي القوم بخسارتي،
تـَركوا وجهي
كموقدٍ عارٍ.. مِنْ مَـفصَـل اللغةِ حتى آخـر الليل..
تركوه يفكرُ وحيدا
كمبنى يحترق

تنبيه : المرجوا عدم نسخ الموضوع بدون ذكر مصدره المرفق بالرابط المباشر للموضوع الأصلي وإسم المجلة وشكرا
Facebook
Google
Twitter
0
مجلة

0 التعليقات:

المتابعون

اخر التعليقات

اصدقاء المجلة على الفيس بوك