( إسمنت وفولاذ). قصة قصيرة بقلم رجاء خشابة




( إسمنت وفولاذ). قصة قصيرة 
عاشت بين الغربة واليتم لاشيء يواسيها سوى أحلام تهرب إليها وطموح تحفر به ظهر المستحيل، لتستطيع أخيراً وبعد سنين من الكفاح أن تفتتح لها مكتباً بسيطا في أحد الأحياء المكتظة بمدينتها. 
كان عملها كمحامية يجعلها تشعر بالفخر والإستقرار، فهي بذلك حققت أمنية والديها اللذان فارقا الحياة تاركين لها عبء خمسة أخوات أكبرهن كانت تبلغ من العمر إثني عشرة سنة، أما هي فكانت في العشرين من عمرها آنذاك...
لا شيء يضاهي فرحتها عندما كانت تصطحب طفلتيها المدللتين مروة ونور إلى مكتبها حيث خصصت لهما ركنا بقربها يلعبان تحت حراستها..
وفي يوم جمعة استيقظت كالعادة، لم يكن هناك شيئاً ليميز ذلك الصباح عن غيره، استقلت سيارتها وتوجهت إلى عملها رفقة الصغيرتين.
وبين زبون وآخر وبين قضية أسرية وأخرى جنائية، نال منها التعب، إتصلت بزوجها طالبةً منه الحضور لأخد الطفلتين في نزهة، وماهي سوى دقائق حتى حضر الزوج، ألقى عليها التحية، إطمئن عليها ثم أخذ معه مروة ونور وغادروا...
تابعت عملها بجد. لم يتبقى لها سوى زبون واحد وبعض الأوراق تحتاج توقيعها حينما إهتزت الأرض فجأة تحت أقدامهما، حالة من الهلع استمرت ثوان قبل أن تخسف بهما الأرض، كل شيء إنهار فوق رؤوسهما وفي لمح البصر وجدت نفسها مدفونة وسط الكراسي والأحجار. لقد إنهار المبنى المكون من أربعة طوابق بمن فيه...
إقتصاد في الإسمنت والفولاذ يدخل جيوب عديمي الضمير ليدخل الموت والإعاقة حياة العشرات من الأسر البريئة..
أخذت بالصراخ من فجوة بالكاد ترى منها النور، ليسمعها أبناء الحي يهرعون لمساعدتها وبمشقة تم إخراجها من ذلك القبر..
شعرت بنيران من الألم تشتعل فيها مدت يدها تتحسس مكان الألم لتجد ساقها تتأرجح متدلية منها لا تمسكها سوى قطعة من الجلد..
وضعت في سيارة الإسعاف ،أدخلت غرفة العمليات مباشرة بعد وصولها إلى المستشفى ليتم بثر ساقها..
وبعد ساعات من الإنتظار استفاقت من تأثير المخدر، لتعلو محياها إبتسامة رضى إستغرب لها الجميع، كيف تبتسم راضية فرحة وجزء من جسدها سبقها إلى القبروالضمادات تكسو ما تبقى منه...
تمتمت بكلمات لم يستطع أحد أن يفهمها سوى ممرضة كانت تشرف عليها، دنت منها فسمعتها تقول: الحمد لله فلذات كبدي كانتا بالخارج.
رجاء خشابة / المغرب

تنبيه : المرجوا عدم نسخ الموضوع بدون ذكر مصدره المرفق بالرابط المباشر للموضوع الأصلي وإسم المجلة وشكرا
Facebook
Google
Twitter
0
مجلة

0 التعليقات:

المتابعون

اخر التعليقات

اصدقاء المجلة على الفيس بوك